لم يجد كريم، رفقة زوجته ورضيعهما، بعدما رمت بهم أزمة السكن الخانقة إلى الشارع، سوى شاحنة جاره المركونة على قارعة نهج 66 مصطفى سرير، بالمدنية في العاصمة، “ليحشروا” فيها نفسهم منذ 5 أشهر، في وضع تنعدم فيه أدنى شروط الحياة، يقودهم إلى الموت المؤكد.
من هذا المأوى المغلف بالقصب والخشب والأغطية البالية كخم دجاج، خرج لنا كريم ابن الحي ناقما عن وضعية مأساوية تبعث على الحسرة والحيرة، مطالبا السلطات بانتشال عائلته التي تموت في صمت وبؤس جراء حياة المذلة التي يعيشها.
كل شيء ينطق بوجود عائلة تموت هنا، خبز ملفوف في كيس، وأفرشه بالية، لا تكفي لعقد صداقة مع موسم الحر، إذ يُخيّل للناظر أن العائلة تعيش داخل فرن، بالإضافة إلى روائح نتنة تنبعث من مجرى قناة الصرف الصحي، أسفل الشاحنة تزكم الأنوف وتعمي حتى الأبصار.
ومنذ الوهلة الأولى، اختصر محدثنا، حالته بجملتين، بأنه طلّق امرأتين، بسبب الضيق وعدم توفر مسكن يقيم فيه، فقد توفي له ابن من زوجة سابقة جراء الصراعات اليومية التي كان يعيشها مع الأهل سببها الضيق، تصل أحيانا إلى نزاعات دامية.
المسجد العتيق ملجأ لغسل الملابس
وللوقوف على حقيقة حالته، أصرّ محدثنا على مرافقته إلى المسجد العتيق لإحضار زوجته رفقة الابن، حيث تلجأ إليه لحضور حلقات تعليم القرآن الكريم، وكذا للتخفيف من بؤس التشرد والارتماء في الشارع، إذ قال كريم أنه وزوجته يقضيان الليالي ساهرين على رعاية رضيعهما، بحيث لا يعرف النعاس سبيلا إليهما. مضيفا بأنه “يُقَض مضجعي رؤية عائلتي تتعذب وأنا عاجز عن فعل شيء لها، وعليه أعتبر النوم خيانة للعائلة”.
ويسترسل ابن حي المدنية الذي يبدو أنه أكبر من سنه بفعل المعاناة، في الحديث قائلا: “أقضي نهاري في تنظيف ما تلفظه قناة الصرف الصحي من أوحال سوداء، وفي تسقيف الشاحنة بأعواد القصب والأغطية البالية، للتخفيف من شدة الحر”، إذ يُخيّل للناظر أنه يعيش داخل فرن.
ويضيف محدثنا أنه طلّق زوجتين من قبل، بسبب “الضيق” وأزمة السكن، كما أنه فقد رضيعا جراء النزاعات مع الأهل، جعلت زوجته تصمم على تحمل المبيت في الشارع مجسدة بذلك معادلة “الصراع من أجل البقاء أو البقاء حتى الموت”.
وسألت “الخبر” كريم حول مكان قضاء حاجاتهم، فكان جوابه صادما، عندما أشار بيده إلى دلو تستعمله العائلة كمرحاض ليلا وكأنه يعيش في العصر الحجري.
وأثنى محدثنا على رئيسة بلدية المدنية، واصفا إياها بـ”الإنسانية” لأنها تساعده ماديا، ووعدته بالوقوف إلى جانبه الى غاية الحصول على سكن، طالما لم يسبق له وأن استفاد من مسكن، مشيرا إلى أنها اتصلت بمصالح الدائرة لتوضيح وضعية ملفه الذي ينتظر دوره منذ سنة 1998.
عائلة الزوجة شجعتها على الصبر
ومن شدة المعاناة، يروي كريم أنه كاد يتسبب في وفاة فلذة كبده داخل مقر البلدية لولا تدخل المواطنين لتهدئته وتخليص ابنه من قبضتيه. وعن السبب، أوضح كريم أنه لم يكن يعلم ما كان يفعل من شدة الغضب بفعل حالته الاجتماعية القاهرة.
وصممت الزوجة ألا تتخلى عن أسرتها، رغم الظروف القاسية التي تعيشها، بحيث أوضح كريم أن أهل زوجته قالوا لها “لا تعودي الى البيت بل يجب ان تتحملي وتتحلي بالصبر”. فالمشكل الوحيد الذي نغّص حياة العائلة، يضيف كريم، هو أزمة السكن، وليس البطالة فهو يعمل على رعاية شؤون عائلته الصغيرة من الصباح الى الليل دون ملل ويوفر لها كل ما تحتاجه رغم كل شيء.
شهادة حسن السيرة
وبينما نحن نتحدث مع كريم، التف حولنا الجيران قائلين أنهم لا يتوانون عن تقديم يد المساعدة له، مضيفين أنه ليس من أولئك الذين يضرمون النار في الشوارع ويخلون بالنظام العام وغالبا ما تستجيب السلطات إلى مطالبهم في الحين.
كلمات دلالية :
عائلة تسكن داخل شاحنة